الرباط ـ "مغارب كم ": محمد بوخزار
لا يستطيب رئيس الدبلوماسية الإسبانية الأسبق، ميغيل أنخيل موراتينوس، البقاء في بلده طويلا، إذا لم يشغله شاغل مهم يعوضه عن الأمجاد الوظيفية التي مارسها في الماضي، حتى قبل أن يصبح وزيرا للخارجية في حكومة، رودريغيث ثباطيرو، الأولى عام 2004 حيث اعتبر أحد الذين قادوا حملته الانتخابية الناجحة وصاغوا برنامج الحزب الاشتراكي الذي جلب له النصر على الحزب الشعبي، في مارس 2004.
كوفئ، موراتينوس، على جهوده الموفقة بتعيينه وزيرا الخارجية التي ظل بها على مدى ولايتين تقريبا، إلى غاية 2010 حين نزل ذات يوم خبر إعفائه دون علمه المسبق، ما شكل له مفاجأة صاعقة لدرجة أنه ذرف الدموع أمام موظفي الوزارة وهو يسلم حقيبة المسؤولية إلى السيدة "ترينيداد خيميمنيث" التي كانت مكلفة بملف العلاقات الخارجية في الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني حينما كان في المعارضة وهي إحدى المقربات كثيرا من دائرة "ثباطيرو".
حاولت الوزيرة التخفيف من حدة صدمة الوزير، فصرحت على الفور أنه سيظل مستشارها المسموع ومرجعها في الملفات الكبيرة والقضايا الشائكة، لكن "فارس" الدبلوماسية الإسبانية لم يرفض ولم يتحمس لعرض زميلته، بل ربما اعتبرها في أعماق نفسه، أقل منه جدارة وتجربة وقامة دولية، ولذلك بدأ مرحلة الاعتماد على النفس والاستفادة من شبكة علاقاته وصداقاته الدولية التي نسجها، سفيرا، ومندوبا وسيطا للاتحاد الأوروبي بين إسرائيل والفلسطينيين.
وقع اختياره على خوض معركة الإدارة العامة لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "الفاو" ومقرها روما، مسنودا من حكومة بلده ومن ثباطيرو شخصيا، الذي أراد جبر خاطر الوزير الذي تحمل النقد العنيف من المعارضة اليمينية التي طالبت برأسه منذ الأشهر الأولى لتعيينه.
لم تكلل جهود "موراتينوس" بالنجاح في الجولة الأولى للتصويت، فآثر الانسحاب مع أن الفارق بينه وبين منافسه البرازيلي، لم يتعد أربعة أصوات بمعنى أن حظوظه ظلت قائمة ولو ضعيفة في الجولة القادمة.
ولا تعرف الجهة التي أوحت لدولة، قطر، للاستعانة والاستفادة من خدمات وخبرة وزير خارجية إسبانيا الأسبق، وكيف قبل هو الهجرة من بلاده للاستقرار في "الدوحة" لمدة عام حيث سيعمل تحت إمرة الشيخ، فهد العطية، وهو عسكري سابق، في إطار البرنامج القطري" للأمن الغذائي" الذي أعلن عام 2008 لضمان الاكتفاء الغذائي للإمارة الأغنى في العالم.
تشكل خدمة الدولة القطرية، تعويضا عن منصب آخر اقترح له في العالم العربي وبالتحديد في لبنان، فقد رشح لشغل منسق الأمم المتحدة لدى بلد الأرز، ورحبت به حكومته ولكن الأمين العام، بان كي مون، ارتأى مرشحا بديلا للمهمة في شخص الدبلوماسي البريطاني "ديريك بلومبي".
تنصب مهمة، موراتينوس، على الترويج للتحالف السلمي الجديد الذي تقوده الدولة القطرية، بما تمتلكه من قدرات وتأثير خارجي متنامي، يتمثل في الحد من الأراضي القاحلة الموزعة على عدد من البلدان، لتأتلف جميعها فيما يشبه جبهة عسكرية، تكافح ضد عدم الاستقرار الغذائي الذي تتسبب فيه عوامل طبيعية مثل الجفاف وشح الأمطار، وبدرجة أكبر المضاربات الدولية للتحكم في أسعار المواد الأولية اللازمة لتغذية الإنسان، علما أن مساحة الأراضي القاحلة تشكل طبقا لتقديرات
نسبة 45 في المائة من مساحة المعمور.
ويسعى التحالف القطري، إلى تشجيع وتنمية البحث العلمي وابتكار الأساليب التي تحد من ظاهرة عدم كفاية المواد الغذائية ولا سيما في البلدان التي تعاني من نقص في موارد المياه كما تنوي إعداد خطط إستراتيجية للتدخل السريع في حالة اندلاع أزمة غذائية شديدة الوطأة.
وتقول صحف إسبانية استنادا إلى مصادر مقربة من الوزير، موراتينوس، إن هذا الأخير سيحاول تطبيق المقترحات التي تضمنها برنامجه الذي تنافس به في مباراة الفوز بمديرية "الفاو"
وتشبه ذات الصحف الحلف الغذائي القطري بالحلف الأطلسي، على اعتبار أنه سيخوض بدوره حربا ضد الفقر والمجاعة التي تتهدد مناطق شاسعة في العالم وبالتالي فإنها تؤثر على السلم والاستقرار في العالم.
وتأمل الدولة القطرية أن تضم إلى تحالفها عددا من الدول في المغرب والمشرق والخليج العربي، فضلا عن مصر والمكسيك وجنوب إفريقيا والصين واستراليا كما تأمل في إقناع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بانتداب ممثلين عنها .
وفي هذا السياق، تتوقع أن يصل عدد الموقعين من الدول حوالي العشرين، يلتقون في قطر نهاية العام الجاري، على هامش القمة العالمية للتغير المناخي.
ويرى محللون إسبان علقوا على خبر تعيين وزير الخارجية الأسبق، أن دولة قطر أصبحت تمارس سياسة خارجية نشطة ، امتد تأثيرها إلى عدة مناطق يسود فيها توتر وأزمات عسكرية . ففي الدوحة يوجد ممثلون لحركة "طالبان "الأفغانية مع أن هذه تحارب الغرب وهو حليف مساند لإمارة " قطر" حيث أقامت الولايات المتحدة قاعدة ضخمة فوق أراضيها استخدمتها على نطاق واسع أثناء حربها ضد العراق ما أدى إلى هزيمة جيوش صدام حسين.
وجرت "قطر" الصغيرة ،دولا كبيرة وأغرتها بالتدخل في ليبيا منتزعة قرارا بالحماية الجوية للسكان المدنيين ضد هجمات كتائب القذافي ،التي انهزمت أمام نيران طيران التحالف الغربي وزحف الثوار على الأرض. ولم تكن قطر غائبة عن ما حرى في ميدان التحرير في مصر واليمن ، وهي تلعب أوراقها الغامضة الآن مع سوريا.
بعد إقالته من وزارة الخارجية ، راج أن موراتينوس، سيعين سفيرا لبلاده في المغرب، حيث ينعم بما يشبه التقاعد المريح . ومن حسن حظه أن إخفاق الاشتراكيين في الانتخابات التشريعية الأخيرة ، أبعد عنه شبح التعيين ولذلك أتخذ قرارين الأول تجميد وضعه الإداري في وزارة الخارجية والثاني الاستجابة للعرض القطري لأنه سيضمن له أمرين التعويض المادي المريح والابتعاد عن إسبانيا ومشاكل الحزب الاشتراكي وهو يرمم صفوفه من أجل العودة إلى الحكم بعد أربع سنوات إذا فشل اليمين حقا في إعادة العافية الاقتصادية للبلاد. وهو رهان غير قابل للتحقق في الأمد المنظور.






















